محمد بن محمد ابو شهبة

596

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

( يا أيها الناس ، نحن المهاجرين أول الناس إسلاما ، وأكرمهم أحسابا ، وأوسطهم دارا ، وأحسنهم وجوها ، وأكثرهم ولادة في العرب ، وأمسهم رحما برسول اللّه ، أسلمنا قبلكم ، وقدّمنا في القران عليكم ، فقال تبارك وتعالى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار إخواننا في الدين ، وشركاؤنا في الفيء ، وأنصارنا على العدو ، أما ما ذكر فيكم من خير فأنتم له أهل ، فأما العرب فلن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، فمنا الأمراء ومنكم الوزراء ) . فقام أحد الأنصار فقال : أنا جذيلها المحكك « 1 » ، وعذيقها المرجب « 2 » ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فكثر اللغط وارتفعت الأصوات . بيعة الصديق وفي هذا الموقف العاصف قام الفاروق - وكان جهوري الصوت - فقال : ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعه . وقال : يا معشر الأنصار ، ألستم تعلمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس ، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ، ثم قام المهاجرون فبايعوا ، ثم قام الأنصار فبايعوا ، وهكذا وقى اللّه المسلمين شر الفرقة ، وجمعهم على أفضلهم أبي بكر . البيعة العامة وفي اليوم الثاني غدا الصديق ومعه عمر والصحابة إلى المسجد النبوي ليبايع الناس المبايعة العامة ، فصعد أبو بكر المنبر ، وقام عمر خطيبا بين يديه ، فقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه : ( أيها الناس ، كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت ولا وجدتها في كتاب اللّه ، ولا كانت عهدا عهدها إليّ رسول اللّه ، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى يدبرنا - يكون اخرنا - فإن يك محمد قد مات فإن اللّه جعل بين أظهركم نورا تهتدون به ، فاعتصموا به

--> ( 1 ) الجذيل : تصغير جذل ، وهو عود يكون في وسط مبرك الإبل تحتك به وتستريح إليه . يضرب به المثل في الرجل يستشفى برأيه وتوجد عنده الراحة . ( 2 ) عذيق تصغير عذق ، وهي النخلة . المرجب الذي تبنى إلى جانبه دعامة تسنده لكثرة حمله ونفاسته على أهله . يضرب به المثل للرجل الشريف المعظم في قومه ، والذي يكثر خيره .